السبت، 30 يناير 2016

عبدالواحدالأنصاري شروط الإقناع السردي

عبدالواحدالأنصاري
شروط الإقناع السردي

حاوره: عبدالله الزماي

س1/ لماذا تخليت في "ممالك تحت الأرض" عن تقنياتك السردية المبتكرة في "كيف تصنع يدا؟" و"السطر المطلق" وانحزت للحكاية هنا؟أم أنه يمكننا أن نعتبر ورود عبارة "....وكنت في حضرة شيخي" في أول الرواية, شكلا من هذه التقنيات؟
سأبدأ بالإجابة على الشطر الثاني من السؤال: وهو أن النقاط الثلاث في بداية الرواية (... وكنت في حضرة شيخي)، والنقاط الثلاث في نهايتها (لا إله إلا الله، محمد رسول الله...)، هذه إنما أتيت بها للإشارة إلى أن بداية النص المكتوب ليست هي بداية الأحداث، ولا الحكاية، وإن كانت هي بداية الرواية، وأن النهاية كذلك، فليست نهاية رواية ممالك تحت الأرض بنهاية مغلقة للأحداث التي جرت لبطلها. وهي أيضاً محاولة لإثبات أن البداية مفتوحة كما أن النهاية مفتوحة، وربما كان هذا أيضاً لطمع خفيّ في أن أعود لكتابة جزء آخر من هذا العمل، على رغم أنني الآن لا أفكر في ذلك، لقد كبرنا على الرواية يا صديقي، وربما كان الأصح أننا هرمنا منها، وربما يأتي يوم (قرّبه الله) تشغلتني فيه هود وأخواتها.
لكن قبل أن أمضي معك في هذه الأجوبة، لا أحب أن أخادع القارئ عن نفسي أو عن رواية ممالك تحت الأرض، فعلى رغم كلامي هذا المسترسل عنها، فهي ليست إلا عملاً سردياً عن شاب يتيم أراد الترقي في مراتب التصوف، وتجري أحداثه في مصر القديمة في القرن الحادي عشر الهجري، ولا تتعدى أوراقه 128 صفحة، وصدرت عن مؤسسة الانتشار العربي اللبنانية.
أما عن الشطر الأول من سؤالك، حول التقنيات السردية والتخلي عنها (وأنا لا أفهمها هنا بالمعنى الاصطلاحي، وإنما بالمعنى العرفي الذي نقصد به في المشهد المحلي أساليب السرد وفنونه وتجلياته، بما يدخل فيه مصطلح تقنيات السرد ولا يستحوذ عليه) فدعني أقول لك أيها الفاضل: لا تصدق في العصر الذي نعيشه أن ثمة قراء كثيرين أو حقيقيين يُعنون بجانب العمق أو التقنية أو التجريب في السرد، فالمحرّك الأساسي للإقبال القرائي على النصوص يرجع إلى ثلاثة أمور لا رابع لها في اعتقادي، وهي: الجوائز، والشهرة الإعلامية، والحكاية البسيطة ذات الإثارة. فعلى سبيل المثال: هناك نقّاد وسرديّون جيدون جداً حين ينظّرون للعمق والرمزية والتجريب وما أشبه. ولكنك عندما تكتب لهم نصاً بهذه المواصفات فإنهم يتململون من نصّك ويتخلون عن الأوصاف النقدية ويلجؤون إلى أوصاف تطلق على الأطعمة والأغذية، وعلى الطرق والشوارع، وعلى الأفلام.
فيطلقون على نصك أنه "عسر الهضم"، "فيه تطويل"، "استعراضي".
ولهذا أدرك الكُتاب العرب بخاصة في سورية ولبنان وفي الجزائر والمغرب، العربي هذه اللعبة باكراً، فاجتذبوا القراء بنوع الكتابة الحكائية البسيطة ذات الإثارة، وأوهموهم بالعمق بطريقتين: "التكلف الأسلوبي"، و"المونلجة الجريئة". فأصبح وصف العمل بالعمق متفرعاً إلى عنصرين: الإثارة، والتكلف الأسلوبي والمونلجة الغريبة. واستسلم لهم القارئ واعتبر الأعمال عميقة.
ولذلك عندما أستطلع تجربتي الخاصة، في رواية: "كيف تصنع يداً" مثلاً، أجد أن القارئ العادي يتململ منها، وكذلك النقاد المتحذلقون الذين يطالبون بالتجريب والتعقيد، فأحد هؤلاء النقاد الكبار قال لي:
"مقدمة الرواية العلمية فيها استعراض بحثي".
ولولا أن الناس (وبخاصة النقاد والروائيين) أصبح أكثرهم يكذبون، وقد يكذبك الشخص إذا حكيت عنه ما كان يحلف لك به، لذكرت لك اسم هذا الناقد القائل.
وأما أحد المحاورين الصحافيين كثيري الحديث عن التجريب فقد قال لي عن رواية "كيف تصنع يداً": "لقد ضاعت الحكاية في ظل عنايتك بالمعلومة"، وهذا المحاور لا يستطيع تكذيبي، لأنه أصدر قوله هذا في كتاب.
آخرون منهم روائيون كبار قالوا: ببساطة "غير لذيذة".
وممن تعرضوا لتحكيم هذه الرواية (كيف تصنع يدا)، عندما طلبت من نادٍ أدبي أن يطبعها لي، محكمون، قضوا ثلاثة أشهر في قراءة الفصل الأول، وقالوا:
هذه مجرد عبارات قاموسية! بل نصحتني إحداهن بتوسيع اطلاعي في الرواية (عجبي!)، وقائل هذا هو قاصة روائية محكّمة عرض عليها أحد الأندية الأدبية (كان رئيسه آنذاك يستعين بي لتحكيم روايات الناس، ثم فازت بجائزة كتاب العام مجموعة قصصية كنت أنا من حرّرها وصاغها ودققها وصفّها وأحسن إليها وإلى مؤلفها الذي كان يدرس الطب في أمريكا، ولم يكن يخطر بباله أن أحداً سيجمع له هذه المجموعة المنتثرة في غلاف، فضلاً عن أن يتخيل أنها ستصدر بهذه العناية والتحرير من الشوائب والمآخذ السردية)، وهذه المرأة المحكَّمة التي عرض عليها ذلك النادي قبول رواية "كيف تصنع يداً" أو رفضها، من أجهل خلق الله بالأدب، ولكن لوجاهتها (عندهم) صارت ساردة محكّمة على رغم أنف الدهر وأهله، وهي التي أوصت النادي بأن ينصحني بـ"قراءة الرواية حتى أفهم ماهية العمل الروائي"! وأنا إنما أتوقف وأستحيي وأكف عن ذكر اسمها مراعاة لأحد أمرين: أن تكون ماتت أو نال منها الزهايمر قبل أن تقرأ هذا الحوار، لأنها بلغت من الكبر عتياً في غير علم ولا أدب، مع ادعائها لهما جميعاً وللشباب معاً، وأخشى أن يحزن ذكري اسمها ورثتها أو مرافقي شيخوختها الخاوية عند اطلاعهم على هذا الحوار.
المهم أن أقول لك إن أولئك المتفيهقين الذين طالما طالبوا بالأعمال التجريبية المعقدة العميقة، عندما أصدرت روايتي تلك، وأرهقتهم قراءتها، لم يطرح أي منهم سؤال العمق أو الفلسفة أو التجريب!
ثم فوجئت ببعضهم يضغط علي للحصول على نص "سلس" "غير متكلف" يستطيع "إكمال قراءته".
تحت هذا الضغط اضطُررت إلى التخلي عن أسلوب التجريب موقتاً في رواية "ممالك تحت الأرض"، واستخدمت أسلوب التكثيف وإدراج المعلومات والمونولوج والإثارة وتأجيج الصراع في رواية ذات طابع أفقي، وتخليت عن تقنيات الراوي العليم، وعن إدراج البناء الحكائي داخل بناء روائي أكبر، وتخليت عن طريقة الكتابة الرأسية التي تعتمد على ذهن القارئ في الربط بين الأحداث وترتيبها، وصغت الحدث من "أ" إلى "ب". وبهذا حظيت الرواية بإقبال كبير وقُراء ومعجبين كثر، على رغم أنني بذلت فيها مجهوداً تقنياً أقل، وبالطبع، لا يعني ذلك أنني لم أعتن بها من حيث دقة المعلومة وإتقان الحبك ولعبة الإقناع. والمحصّلة: أن ما يطالب به القراء هنا في مثل هذا الموضوع، قد يعوق إكمالهم قراءة النص لو امتثلتَ له، لأي سبب أو مبرر، ولو بأن يطلق عليه القارئ وصفاً لوجبة غذائية سريعة جافة وباردة.
فهذه التجربة علّمتني أنك عندما تكتب فليس عليك أن تراهن على وعي القارئ، وإنما عليك أن تستبق رد فعله. والفرق بينهما كبير؛ فأن يقرأ أحد عملك كاملاً ثم يفاجئك بقوله: "كان سهلاً وغير عميق"، خير من أن يقول لك: "آسف، لم أستطع القراءة"، فيفاجئك ويحزنك، ويشعرك بأنك مخدوع إذ راهنت على ما كان يتظاهر به أمامك من وعي وعمق، وعلى ما كان يدعوك إليه من هذا الوعي ومن هذا العمق.
باختصار: أنا أفضّل أن تكمل النص وتقرأه وتمارس عليه الأستاذية أو الأبوية، على أن تعجز عن قراءته، فتتخذ معه أسلوباً موسوماً بالتجاهل والاستبعاد.
س2/ تنقسم الرواية إلى قسمين رئيسيين: قسم فكري مليء بالحوارات الفكرية العميقة والقسم الثاني حيث بدأت الحكاية والشخصيات بالوضوح ..هل هذا عمل متعمد أم عفوي؟ هل هذا عيب فني في الرواية؟
ربما كان عيباً فنياً في بضع صفحات، ولم أفطن إليه، لا أبرئ نفسي، ولكن العمل نفسه يتبع طريقة أفقية، والبطل يحكي فيه ما يجري له، فعندما يمر بمراحل الدرس الصوفي ومصطلحاته، وهي مراحل محددة من جو الرواية، فلا بد أن يعاني القارئ شيئا من صعوبة في هذا الجانب، لا لأن السرد صعب، ولكن لطبيعة صعوبة الدرس الصوفي، ولأن البطل نفسه يعانيها، وبحسب ما أتذكر فإن الشطر الأول من الرواية لم يكن صعباً، وهي الآن بين يدي، بل كانت الصعوبة في مقاطع الصفحة 45 وما يليها، فيما لا يزيد عن سبع صفحات، عند التعرض لمفاهيم التصوف الفلسفية، وللدرس الصوفي، الذي استثقله البطل نفسه، وكان يحكيه وكأنه يحكي فصلاً من فصول التهويم العقلي، وعموماً، أنا لا أخفي كما يخفي غيري مصادره، فقد نبهت في آخر رواية ممالك تحت الأرض إلى مصادر استلهامي لهذا الدرس المعقد في بعض مقاطعها. ثم إن الرواية بعد هذه المقاطع المتعثرة مضت في سهولتها وسلاستها، ولم يستصعب منها كثيرون ما استصعبته أنت وأنا وبطلها منها أيها الفاضل.
س3/ هل شخصيات الرواية "قاسم" و"أحمد" و"الخولي" وغيرهم شخصيات تاريخية حقيقية؟ أم أنها شخصيات متخيلة في إطار تاريخي؟ وأيهما أفضل لكتابة الرواية التاريخية اختيار شخصيات حقيقية أم متخيلة ؟
كلا، ليست حقيقية، بل هي متخيلة في إطار تاريخي. أما شطر سؤالك الأخير، عن الأفضل من الكتابة عن شخصية حقيقية أم متخيلة، فهذا يحتاج فيما يخص الشخصيات في الروايات التاريخية إلى شيء من البسط، أحتسب فيه أن يفيد القارئ منه، فالذي أفضّله هو أن يكتب الروائي الشخصية التي يحتاجها جو العمل، سواء أكانت حقيقية أم متخيلة، بشرط أن يكون قادراً على إقناع القارئ بها، أما الكتابة عن الشخصيات التاريخية الحقيقية فإنما هي كتابة عن الذوات، لا عن شخصيات مطلقة فحسب، فعندما تكتب عن رمز ديني أو تاريخي مثل الغزالي أو صلاح الدين فإن مساحة الحرية أقل مما لو كنت تكتب عن تاجر مصاغات معاصر لهما من تخيلك، فعندئذ تكون مساحات الحرية أكبر، ولا يلزمك سوى أن تحتاط للجغرافية والبيئة والوقائع والعادات واللغات، وغير ذلك مما تتطلبه شروط الإقناع السردي.
أنا أعلم أن ثمة من يعتقدون أن لهم الحرية في تصوير التاريخ والأشخاص كما يشاؤون، وفي تبديل حيواتهم أو تخريبها على الأصح، وأدرك أن ثمة من يعدون من المهارة الفنية أن يشككوا في حقيقة هذه الشخصيات التاريخية أو يعبثوا بها، ولا تستغرب من أحد هؤلاء إذا كتب لك رواية يقول لك فيها إن سبب زهد عمر بن عبدالعزيز رحمه الله هو أنه ارتكب جريمة قتل في أول شبابه الأموي، ثم ندم على ذلك، ولا إذا صوّر لك جلال الدين الرومي على أنه شخص طاهر نبيل (وقد ظن بعض الجهلة ذلك ظن البلهاء)، بل لا تعجب مما هو أبعد من هذا وأنكى، فما دام الروائي أو الأديب أو المثقف، غير متحلّ بالعقل المستقل والتذوّق الأبيّ فإنه يُتوقع منه أي شيء، بخاصة إذا كان يظن أن له سلفاً غربياً يتبعه في ذلك، فعندئذ هو مفتون بهذا السلف الغربي فتنة الابن غير المميز بتهاويل أمه وفلتات لسانها، ولا يستطيع أن يميز بين هذه التهاويل وبين صفاتها الأمومية النبيلة، فعلى رغم اعترافي بأن الرواية فن غربي خالص، ويكتسب عالميته من ترسمه الأصول الغربية في بناء الرواية، وهذا أمر أعترف به على مضض، فلا أحد أشد مني تمنياً لأن تكون الرواية فناً عربياً، غير أن الأمانيّ شيء والحق شيء آخر، أقول: على رغم ذلك فإن للرواية شروطاً فنية وذوقية وأدبية لا يمكن أن نقرّ بتجاوزها، حتى لو كان مرتكب هذا التجاوز من أساطين الرواية، فإن الأديب قد يكون مبدعاً على رغم الأخطاء التي ارتكبها، وليس بسبب تلك الأخطاء، وشتان ما بين الأمرين، فهل نستطيع أن نقول إن هيمنغواي كان مبدعاً لأنه كان سكيراً عربيداً جاسوساً، أو نقول إنه كان مبدعاً على رغم ذلك؟
ويحضرني الآن للتدليل على هذه الفكرة، وأعتذر عن الإطالة، مثال ساقه الرافعي في أحد ردوده على طه حسين، وهو أن قساً نصرانياً كتب في جريدة السياسة المصرية، يذكر تاريخ القديس بفنوس، الذي تناوله الروائي العالمي الفرنسي أناتول فرانس، الحائز على جائزة نوبل عام 1921، وأوضح أن القديس بفنوس الذي تناول فرانس في رواية تاييس تم العبث به، وسخر الروائي من تقواه وصلاحه، ورماه بامرأة بغي، تركته في الإثم وسقوط النفس، وصور أنه لا فرق بين القديس وهذه البغايا اللواتي كن في عصره، ولم يكتف بذلك، بل رفع مكانة البغي والبغايا في هذه الرواية وجعلهن قديسات تتفتح لهن أبواب السموات وتتلقاهن الملائكة. ثم ذكر هذا القس أن أناتول فرانس إنما تعمد بذلك إفساد التاريخ. ولم يكتف أناتول فرانس بإفساد صورة الشخصيات التاريخية، بل عمد إلى التشكيك في وجود بعض الشخصيات المتواترة، فشكك في أصل وجود جان دارك، وذكر أنها شخصية لم يخلقها الله، وهي أشهر من نار على علم.
ونحن قد لا نعجب من هذا إذا علمنا أن أناتول فرانس، على رغم بلاغته الفريدة، ومحافظته على جزالة الفرنسية في عصره، واستحقاقه لنوبل، على رغم ذلك فهو في حقيقته الذاتية كاتب عابث، يتبنى فكرة أن المعرفة لا قيمة لها، وأن التخيل يغني عنها، ويهزأ بالمستقبل، ويقول إن انتظاره لا شيء، والخوف منه غير مستحق، وغير ذلك من التهويمات العبثية غير المبالية، التي يمكن أن تصلح لأديب مرفه، ولكن لا يستطيع أناتول فرانس نفسه أو غيره أن يتبناها لو أمسى وهو مفلس أو هو مصاب بالسرطان، فضلاً عن أن تتبناها دولة في حرب عالمية أو تعاني أزمة مالية أو تعاني انتشار وباء إيبولا فيها، على سبيل المثال.
وإنما تكمن خطورة هذه الفكرة في لوازمها ومآلاتها التي منتهاها الوصول إلى تشويه التاريخ والذوات بما في ذلك تشويه الرموز المقدسة كالأنبياء والمرسلين والذات الإلهية بالإفك والبهتان، ولو أننا تبنينا هذا العبث نحن المسلمين فإلى أين سيقف بنا، وكيف يحق لنا عندئذ أن نلوم أو ننتقد كاريكاتيراً مسيئاً إلى النبي صلى الله عليه وسلم، أو حتى رواية مثل آيات شيطانية لسلمان رشدي؟
س4/ يتضح من خلال الرواية عناءك في البحث والاعتماد على مراجع وخرائط ونحو ذلك هل الروائي ملزم بكل ذلك حين يكتب رواية تاريخية ؟
هذا العناء سببه أنني أحاول الالتزام بشروط الإقناع السردي، وبأن من مسؤوليتي أن أحاول إقناع المؤرخ نفسه برواية ممالك تحت الأرض في صفحاتها الـ127، مثلما أحاول إقناع القارئ العادي بها، ونعم، إن ذلك لازم كما نص عليه أكثر من روائي عالمي محترف، إذا قصدت الرواية حكاية واقع بعينه حكاية أمينة، ولهذا فإنني أدين بفضل معلومات رواية ممالك تحت الأرض لعدد من الكتب والمقالات والقصائد، كتائية ابن الفارض، ووصايا وفصوص حكم ابن عربي، ولطائف منن وآداب عبودية وآداب صحبة وأنوار قدسية وطبقات الشعراني، وإلى كرامات النبهاني والهيتمي وفتوح غيب الجيلاني وكوكب أعلام سعد الدين إلياس، وحلاج ماسينيون وقاموس مصطلحات أيمن حمدي، وتحقيق موسى الدويش لبغية المرتاد ومصرع البقاعي والحقيقة المحمدية للدوسري، وأما الحوادث المزامنة لحياة البطل قاسم فأدين بها لكتاب الروضة المأنوسة للبكري. كما أدين في وصف مصر القديمة بعمائرها وأسواقها وخرائبها ومقابرها وجوامعها وزواياها لخريطتين فريدتين لخالد حامد أبو الروس في رسالته الماجستير: مصر القديمة في القرن السابع عشر الميلادي، وغير ذلك من المراجع. ولعل القارئ يجد لهذا المعنى تفصيلاً أكبر في كتابي المنشور على الشبكة بعنوان (حفلات الرداءة الأدبية)، وهو كما تعلم كتاب في موضوع فوز الأعمال الرديئة بالجوائز الأدبية الكبرى.
س5/ استخدمت في الرواية حوارات ذات عبارات قصيرة ولكنها تحمل مضامين عميقة..لماذا؟ ألا يخرج هذا الرواية من طبيعتها لتصير بحثا فلسفيا أو علميا خصوصا لمن لا يمتلك هذه الخلفية المعرفية عن الموضوع ؟
الشخصيات الصوفية التي قرأت عنها قليلة التكلم، عميقة المعاني، تتفاهم بالرموز، وقد استقرأت كتب الصوفية وتراجمهم وحواراتهم فوجدت في حواراتهم هذه الخاصية، فاهتممت بإبرازها في ممالك تحت الأرض، وحرصت على أن يكون الحوار مفهوماً لجميع القراء، وإن خفيت عبارة أو كلمة على قلة منهم، فلا شك أن السياق سيمكنه من التقاطها، فالرواية في النهاية جهد قراءة كما أنها جهد كتابة.
س6/ لا يتعرف القارئ على زمن الرواية بشكل مباشر من خلال الرواية ولا حتى على اسم بطل الرواية "قاسم" إلا بعد مائة صفحة من الرواية ..لماذا؟
 يمكن للقارئ أن يتعرف على زمن الرواية وبطلها قبل منتصف الرواية، بل في الصفحات العشرين الأولى منها، ولكن التصريح باسمه وبزمنها جاء متأخراً، لأن الرواية على لسان البطل، ولسان البطل عفوي، يحكي باسترسال، ولا يقدم عن نفسه سيرة ذاتية قبيل الدخول في العمل، ولا هو كاتب معاصر يعتمد شيئاً من هذا القبيل في بدايته، فهذا يكسر عفوية السرد، وعلى كل حال، فإن هذه العفوية أسلوب متبع في المذكرات، فمثلاً، لو أنك فتحت كتاب أسامة بن منقذ المعروف (الاعتبار) لوجدت أن التصريح بزمن واسم مؤلفه يظهر بعد وقت غير يسير من ابتدائك في القراءة، أظن أن الأمر عادي، بل هو الواقعي.
س7/ جعلت اليهودي مثلا في الرواية يتفوق على الصوفي في الحوار ..هل كنت محايدا أم مؤدلجا ؟ وهل ينبغي للروائي أن يكون محايدا أو مؤدلجا أو سواهما مثلا ؟
لا شك أن اليهود أهل علم وحوار وكتاب، ولهم تاريخ طويل في المعرفة، ثم إنهم لا شك أقوى وأشد تماسكاً وأقل تناقضاً في أبواب العقائد والأسماء والصفات من غلاة الصوفية، على رغم ما عند أحبارهم من التكذيب والتحريف والتجسيم، وهذا الأمر نص عليه أكثر من واحد من علماء الاعتقاد، فالصوفي الغالي (وهو ما أقصده عندما أتحدث هنا أو في الرواية) يؤمن بأن الله مبثوث في الكون، وفي البشر، وبأنه قد يحل في الأشخاص حلولاً خاصاً، ولا يؤمن بأنه في السماء، واليهودي في رواية ممالك تحت الأرض، بما أنه مطلع على كتبه وعلى كتب المسلمين، ويعرف هذه العقيدة جيداً عند ألدائه النصارى، وكما في أحداث تاريخية مشابهة، فهو يذكر الصوفي في الرواية بالحوار الذي دار بين فرعون وموسى وأورده الله في القرآن، من أن فرعون كان ينكر أن الله في السماء، ويأمر وزيره هامان بأن يبني له صرحاً لعله يطلع إلى إله موسى، ثم يقول هذا اليهودي للصوفي: أنت بدعوتك إياي إلى عقيدتك تدعوني إلى عقيدة فرعون، وأنا لا أتبع فرعون وأترك موسى، لأن  الله قد أغرق فرعون لموسى. وكما ترى، فهذا الحوار جزء لا يتجزأ من الصراع العقدي المسجل تاريخياً، والمنتشر في تلك الأزمنة بين أهل الكلام وأهل الحديث وأهل الفلسفة، وقد نقل ابن تيمية نحواً منه، وأنا قد أشرت إلى مصادر رواية ممالك تحت الأرض في نهايتها كما تعلم. وأحب هنا أن أضيف: أنه لا يلزمك لكي تحكي عن اليهود موقفاً إيجابياً أن تتملقهم ولا أن تحاول أن تبرئ نفسك من تهمة "اللاسامية"، فالعرب ساميون لأنهم من أبناء إسماعيل بن إبراهيم وهم مبرؤون من "اللاسامية" مثلما هم بريئون من "اللاإبراهيمية"، بطبيعة الخلق والفطرة، قبل أن يكون ذلك بطبيعة الديانة، وتشهد بذلك أقدم الوثائق الأدبية في تاريخ الأدب العربي، من دواوين شعر العرب ومؤلفاتهم، كما في طبقات فحول الشعراء لابن سلاّم الجمحي. وأما تملق اليهود في الروايات العربية ومحاولة إظهارهم على ضحايا للعرب، وهم في الحقيقة ضحايا للألمان وللأرثوذوكسية والكاثوليكية، ثانياً، والعرب والمسلون ضحايا لهم ثالثاً في هذا العصر، فهذه البصبصة إنما هي من تملق بعض روائيينا العرب في اليمن والعراق والشام والمغرب للصهيونية العالمية واستجدائهم لجوائزها أو الجوائز التي تقلدها، حتى إن روائياً عالمياً من غير العرب، مثل أمبرتو إيكو الإيطالي، الذي هو في غنى عن هذا، لو كان للغنى أن يكون في غير القناعة، وقع في هذا التملق في إحدى رواياته، إلا أن اليهود لم يقبلوه منه (بحسب ما فهمته مما بلغني من ردود أفعالهم)، ورده عليه بعضهم في وجهه، وربما تسعى لوبياتهم بعده إلى محاولة حرمانه من جائزة نوبل، التي لم يبق له شيء يحلم به سواها، أقول "ربما"، لأنه كتب تملقه لهم في رواية "مقبرة براغ" بطريقة فنية تحتمل أكثر من وجه، وجهاً للانتصار لهم، ووجهاً لذمهم، وعلى رغم أنه حاول نفي تلك الاحتمالية السيئة بأعلى ما في حنجرته من طاقة، فإنهم لم يرضوا بذلك (أكرر بحسب ما فهمت)، لأنهم إنما يعتمدون على النص الأصلي، وليس على تأويلات كاتبه وصراخه، وقد غفل هذا الإيطالي العظيم عن أن اليهود يقبلون بتعدد الدلالات وبالنصوص المفتوحة على التأويل في كل شيء، إلا فيما يتعلق بهم، فهاهنا إما النص الواحد المغلق والمنتهي بالركوع لهم، وإما الطرد من رحمتهم.
س8 / هناك عوالم غريبة جدا في الرواية مثل مضاجعة القرود والسير تحت الأرض ونحو ذلك..هل مثل هذه السلوكيات موجودة في تلك الحقبة التي تتحدث عنها الرواية؟
نعم، هذا موجود في كتب الصوفية وحكاياتهم وكراماتهم، وإسقاطاتهم للتكليف عن أنفسهم، تبعاً لمفاهيمهم في الترقي من مراتب العامة إلى الخاصة وخاصة الخاصة، وهلم جراً، ووفقاً لوقوعهم في غرائب الأفعال والصنائع، ومن يعرف الطرق الصوفية وكراماتها وغرائبها قد يجد أن رواية ممالك تحت الأرض مقصرة جداً في هذا الجانب، ولم تتناوله إلا بقدر ما يتحمله القارئ العادي.
س9 / تتحدث الرواية عن الصوفية ولكنها أهملت بعض الممارسات الصوفية الشائعة مثل الأناشيد والأشعار وغيرها .. لماذا؟
ثمة فرق بين الصوفية الغالية وبين صوفية الدراويش التي تحتشد فيها مظاهر الموالد والأغاني ونحوها، وقد ركزت في رواية ممالك تحت الأرض على الجانب الباطني للتصوف الغالي، وجانب الكرامات والترقي في درجات هذا التصوف، وغيبت جانب السماع والموالد وغيرها، نظراً إلى غيابها التام في مراجع هذه المواضيع، فلا تجدها حاضرة في الترقي الصوفي، ولا في كتب الاعتقاد الصوفية غالباً، ولا في كتب كراماتهم، ولكنني أوافقك تماماً، التغييب التام لهذا الجانب يعد تقصيراً شديدا مني وغفلة، إذ كان ينبغي على الأقل أن أتعرض لشيء من هذه الموالد ومن جلسات السماع، وهذه سقطة على كل حال، ولكن لعل ما قدمته في إجابة السؤال يشفع لي.
س10/ تتقاطع الرواية في عوالمها مع عوالم "الواقعية السحرية" عند روائيي أمريكا اللاتينية هل هذا تأثر من الروائي بروائيي أمريكا اللاتينية .. أم أن الواقع الصوفي يتشابه فعلا مع الواقع هناك؟ هل خطر لك هذا من قبل ؟
أنا متأثر باللاتينيين روائيين من رأسي إلى أخمص قدميّ، ومتأثر بالبرتغاليين ساردين أيضاً، غير أنني في رواية ممالك تحت الأرض لم أصدر عن عالم الواقعية السحرية، فالرواية في جانب منها أقرب إلى العجائبية من الغرائبية، وليس في تاريخ الدنيا أعجب من واقع الصوفيين، بل إنني لا أتوقع أن تجد واقعاً أعجب منه طوال حياتك القرائية، تخيل أن صوفياً يعتقد أن من كراماته أنه يتحمل آلام الولادة عن النساء، فإذا سمع صراخ من تلد قفز في خرابة مجاورة لمنزلها، ثم أخذ يتلوى ويتحمل آلام الولادة عنها، لتلد هي بعد ذلك في يسر وليونة. هل يستطيع روائي لاتيني أن يأتي (مهما اتسع خياله أو طرفته) بشيء مشابه لهذا الذي يمارسه الصوفي في العالم الواقعي ممارسة عادية يقره عليها شيوخه ويرويها عنه تلاميذه من دون أي استنكار أو استغراب؟
س11/ كانت نهاية الرواية مفتوحة على كل الاحتمالات ولم تنص على أن البطل قتل "الخولي" أو لم يقتله ..لماذا؟

 لا أدري، ربما لأنني رأيت أن إيراد لفظ القتل بعد تلفظ البطل الثانوي بالشهادة فيه قتل للعمل وإجهاض له، وفضلت ترك نهاية الرواية من دون أن نتأكد هل وقعت جريمة قتل الخولي أم استطاع البطل قاسم أن يتجنبها وينتصر على نفسه ومشايخه، لكي نفتح للقارئ وللمتخيل وللإنسان وللشاب في واقعنا المعاصر المليء ببرك الدماء أن يسائل الرواية ويسائل نفسه، ماذا حدث؟ أو ماذا يمكن أن يحدث؟ هل تستطيع الفطرة أن تستنقذ عضو الجماعة أو المنظمة من الوصول إلى جريمة قتل نفس معصومة؟ حتى ولو كان صاحبها مخدوعاً آخر يدعوك ويحثك ويغريك بقتل نفسه؟! وعموماً، أتذكر أن نهاية رواية الحرب والسلم لتولستوي نفسها كانت تحكي موقفاً مشابهاً من حيث النهاية، فقد ظل المتبارزان يؤخران إطلاق النار حتى انتهت الرواية، ومن هذا المشهد التولستي استلهمت نهاية إحدى قصصي الطويلة (ساطور لأحلام خميس)، ولكنها قصة أخرى، وليست روايتنا هذه، ليست رواية ممالك تحت الأرض.

السبت، 14 نوفمبر 2015

عبدالواحد الأنصاري: الجوائز حفلات للرداءة الأدبية..ونقاد الرواية لا يقرؤون الرواية جيدا

عبدالواحد الأنصاري: الجوائز حفلات للرداءة الأدبية..ونقاد الرواية لا يقرؤون الرواية جيدا

          "لئن كانت للرداءة الأدبية حفلة, فلتكن للجودة الأدبية صرخة" هكذا ذيل الروائي والناقد عبدالواحد الأنصاري مقدمة كتابه الأخير الذي عنونه بحفلات الرداءة الأدبية, جائزة الرواية في معرض الرياض الدولي للكتاب أنموذجا, منتقدا به الرواية الفائزة به للعام الماضي "زرياب" للروائي مقبول العلوي, ومفصلا به عددا من الأخطاء التاريخية والفنية –بحسب قوله-, أطلعت على نسخة من هذا الكتاب الذي نشر الكترونيا, وأجريت مع الأنصاري الحوار التالي..

·        ألفت كتابا عنونته بحفلات الرداءة الأدبية تنتقد فيه رواية"زرياب" الحائزة على جائزة العام من وزارة الثقافة والإعلام العام الفائت .ماذا تقصد بهذا العنوان؟ هل تقتبس عنوان رواية ميلان كونديرا الأخيرة "حفلة التفاهة"؟ ما العلاقة بينهما؟
·        ربما يمكن أن يوجه هذا السؤال إلى كونديرا نفسه، هل ألّف كتاب "حفلة التفاهة" اقتباساً من رواية ماريو برغاس يوسا "حفلة التيس"؟ وما العلاقة بينهما؟ ولا أدري إن كان يجب توجيه السؤال نفسه إلى يوسا أيضاً، إذ لم أتتبع مسار الكتب الروائية التي حملت العنوان المذكور أبعد من هذا.
 عنوان كتابي الكامل هو: حفلات الرداءة الأدبية: جائزة الرواية في معرض الرياض الدولي للكتاب نموذجاً. وأما لماذا اخترت حفلات وليس احتفالات مثلاً؟ فالأمر له علاقة بالأسلوب الكتابي الذي تعودت عليه أعواماً عدة في صحيفة "الحياة"، إذ إن الكتاب الأسلوبي للصحيفة يفهم منه وجوب تحويل كلمة "احتفالات" إلى "حفلات". وأما ما أقصده بالعنوان، فهو ما تعنيه ألفاظه بحذافيرها، لا أقل، ولا أكثر.
·        أجريت معك حوارا قبل ثلاثة أعوام كنت ساخطا فيه على جوائز الرواية العربية وذكرت أنها تعاني فسادا. هل يسري هذا على هذه الجائزة أيضا التي تنتقدها اليوم؟
·        أتذكر أنني قلت آنذاك أن الجوائز إما أنها تعاني فساداً أو ضعفاً في مستوى المحكَّمين. أما الآن فأنا أقول ما يقوله العنوان فحسب، إن بعض جوائز الرواية ما هي إلا حفلات للرداءة الأدبية، بقطع النظر عما هو وراءها.
·        نشرت كتابك "حفلات الرداءة الأدبية"  على الشبكة الالكترونية.لماذا؟ ألا يستحق مثل هذا الكتاب أن يكون منشورا ورقيا؟ هل لهذا علاقة بانتقاده لجهة حكومية مثلا؟
·        لم أنشره ورقياً لسببين أساسيين، من بينها أن ناشرين مهمين يتخيلون أنهم إن نشروه فستقع بينهم وبين معرض الرياض الدولي للكتاب مشكلات كبيرة، وأنا أؤكد أن هذه تخيلات ناشرين فحسب، ولا أساس لها من الموضوعية. إلا أنه ليس هذا هو السبب الأساسي، السبب الأساسي هو أنني أريد أن أقول ما عندي في هذا الشأن وأن يقرأه من تقع عينه عليه، في هذه الفترة، قبيل معرض الرياض المقبل، ولا يمنع هذا أن أدرج هذا الكتاب الصغير في كتاب آخر أو أن أطبعه باستقلال في وقت لاحق.
·        تستشهد في بداية كتابك بروائيين عالميين وتشترط بناء على ذلك اشتراطات معينة لكتابة رواية تاريخية. هل هذه الاشتراطات ملزمة دائما؟ هل رواية "زرياب" وحدها من اخترق(بحسب كتابك) هذه الاشتراطات؟ ألم يقع هؤلاء الروائيون أنفسهم بأخطاء مشابهة؟ بل أنك تعيد في نهاية الكتاب أنك أنت نفسك لم تسلم من هذه الأخطاء. كيف تفسر هذا؟
·        نعم، الاشتراطات الفنية ملزمة دائما. ولا، ليست هذه الرواية وحدها التي اخترقت هذه الاشتراطات، لكنها وقعت في يدي بعد بحث أجريته  لصالح صديقي العزيز جدا أبي صالح (أعتقد أننا نعرفه جميعاً، وسيعرفه القارئ إذا ما تصفح الكتاب) عن النصوص الواردة عن زرياب في كتب الأدب العربي، فلم أملك نفسي بعدما وقعت الرواية في يدي أن أظل على الصمت الذي تعهدت به حيال الرواية المحلية من قبل، ومن أجل ذلك جرى القلم بما سبق في اللوح المحفوظ. وبلى، جميع الروائيين معرّضون للوقوع في أخطاء، وتفسير ذلك أنهم بشر. لكن هل تلك الأخطاء كثيرة أو فادحة إلى حد الهبوط بهم أو برواياتهم في الرداءة الأدبية؟ ذلك هو الفرق بين روائي وروائي، ورواية ورواية، أما الخطأ فهو وارد على الجميع، ومن يسلم منه؟ ثم، دعنا نسلّم بأن ثمة كتابا رديئين كثيرين، وأنا منهم، أفليس من الأسهل على الشخص أن يعرف نظيره ومثيله وشبيهه؟
·        ذكرت أن رحلة "زرياب" في الرواية تسير على خطى "رحلة ابن جبير" ورصدت حوالي عشرين موضعا تتشابه فيه الرحلتان.هل هذه سرقة؟ أليس بإمكان الروائي أن يعتمد على المراجع ويوظف ذلك في روايته؟
·        دعني أترفع عن لفظ "السرقة" فأنفيها، حفظاً للأدب العام. وبلى، يستطيع الروائي الاعتماد على المراجع ليوظف ذلك في روايته، بل ذلك هو المطلوب منه أساساً، لكن ليس هذا ما انتقدته على رواية زرياب، ولا يمكن إجمال نقد طويل مفصل مثل هذا في هذه العجالة، لذلك لندع للقارئ فرصة اكتشاف ذلك بنفسه عندما يطلع على كتابي عن الرواية، وأعتقد أن قراءة الكتاب لن تستغرق أكثر من ساعة واحدة.
·        وصفت "زرياب" بطل الرواية بأنه مؤسس أول ستار أكاديمي في الإسلام وأول من نقل مفهوم الموضة والأزياء على الأندلس بعكس ما يرد عند كثير من المؤرخين أن "زرياب" ساهم في نقلة حضارية حدثت في الأندلس,مما قد يفهم من انتقادك هذا أنه ينطلق من رؤية "إيديولوجية" وليست فنية. ما رأيك؟
·        لا أجد أي غضاضة في البوح بموقفي الأخلاقي والأدبي من "ستار أكاديمي" و"عرب غوت تالنت" وكل ما يشابههما ماضيا وحاضرا ومستقبلا، ولكن لا أثر لذلك في موقفي الفني من الروايات التي أقرؤها، خذ مثالاً: احتفت رواية ساراماغو "قايين" بشخصية قابيل، وأنا ضد ذلك بشدة، إلا أن ذلك لم يؤثر في موقفي الفني منها.
·        لمن لم يحصل على كتابك ولم يقرأه هل تستطيع أن تلخص بإيجاز أهم المآخذ والملاحظات التاريخية والفنية على الرواية التي أوردتها بشكل مفصل هناك؟
·        لا أستطيع، لأن الكتاب نفسه مختزل، ويستطيع القارئ أن يفرغ منها في ساعة واحدة كما ذكرت، ربما تتولى عني ذلك بأن تكتب عنه واحدة من قراءاتك الملخصة التي أتابعها كثيراً.
·        مع كل هذه الدقة التي تشترطها في التعامل مع التاريخ ألا ترى أنك تقيد الفنان وتضيق عليه وتحيل الفن المعتمد بالضرورة على مخيلة الفنان إلى بحث تاريخي يتطلب الدقة والرصانة؟ أين حرية التخيل وسط كل هذا؟
·        نعم، لا أرى أنني أقيد الفنان، تستطيع أن تتخيل ما تشاء، حيث تشاء، وأنا هنا أقتبس من كتابي: ما لم يكن ذلك مضاداً للواقع الذي يفرضه العالم السردي. وربما يجب عليك أن يكون لديك محررون يساعدونك في تحرير روايتك، كيلا تقع في أخطاء مميتة قد تودي بحياة روايتك.
·        كيف مرت كل هذه الملاحظات على القراء والنقاد واللجنة التي منحت الرواية الجائزة,ثم لاحظتها أنت؟ أليس في هذا ما يدعو للاستغراب؟
·        الكيفية تكمن في القراءة السريعة غير المتفحصة. وبلى، فيه ما يدعو للاستغراب، ولذلك كان هذا الكتاب.
·        يندر أن نجد كتابا نقديا بالصورة التي ظهر فيها "حفلات الرداءة الأدبية" بحيث أنه أخذ طابعا عمليا "إن صحت التسمية" من النواحي الفنية والتاريخية وخلا من الجانب النظري الذي يكثر استخدامه عند النقاد. كيف تقيم الحركة النقدية المحلية بتفاعلها من النتاج الإبداعي؟
·        الكتاب اسمه حفلات الرداءة الأدبية: جائزة الرواية في معرض الرياض الدولي للكتاب نموذجاً. أما من حيث التقويم فدعني أقتصر على الشأن السردي في هذا المقام: الإشكالية الحقيقية لدينا هي أن نقاد الرواية لا يقرؤون الرواية جيداً، والتنظير مفيد جداً لمن لا يقرأ الأعمال الأدبية.
·        رغم انتقادك للجائزة التي منحت لرواية"زرياب" إلا أننا نقرأ احتفاءك في قراءة نشرت في أحد المواقع الالكترونية لكتاب"صناعة المخطوطات في نجد" للدكتور عبدالله المنيف الفائز بنفس الجائزة لهذا العام. كيف تفسر هذا؟
·        لست عدواً للجوائز ولا للكتب الفائزة بها، وعلى رغم ذلك فإن مقالتي عن الكتاب المذكور ومؤلفه الكريم نشرتها قبل فوزه بالجائزة التي حصل عليها.

الثلاثاء، 9 ديسمبر 2014

الروائية إيزابيل الليندي تتحدث عن مسيرتها الأدبية وذكرياتها في تشيلي أثناء الانقلاب المدعوم من المخابرات الأمريكية

الروائية إيزابيل الليندي تتحدث عن مسيرتها الأدبية وذكرياتها في تشيلي أثناء الانقلاب المدعوم من المخابرات الأمريكية
"الحلقة الأولى "
ترجمة : عبدالله الزماي
الجمعة 28 نوفمبر 2014م
       
        نقضي ساعة كاملة _ في يوم إجازة خاصة _ مع إيزابيل الليندي , واحدة من أعظم الروائيات اللاتينيات الأمريكيات . والتي حازت هذا الأسبوع على وسام الحرية الرئاسي . ألفت الليندي ما يقارب العشرين كتابا , من ضمنها (بيت الأرواح) و(باولا) و(ابنة الحظ) وروايتها المثيرة الأخيرة والتي عنونتها بـ(الممزق).ترجمت أعمالها إلى حوالي 35 لغة , وبيع منها ما يقارب الستين مليون نسخة حول العالم . تقيم الليندي الآن في كاليفورنيا , لكنها ولدت في بيرو في عام 1942م وسافرت حول العالم كابنة لدبلوماسي تشيلي . والدها هو ابن العم الأول لسلفادور الليندي , الرئيس التشيلي منذ عام 1970م وحتى الحادي عشر من سبتمبر لعام 1973م حين استولى أوغستو بينوشيه على السلطة بانقلاب عسكري مدعوم من المخابرات الأمريكية .توفي سلفادور الليندي في القصر الرئاسي في ذلك اليوم.هربت إيزابيل الليندي لاحقا من بلدها تشيلي إلى فنزويلا . أجرت إيمي غودمان مقابلة شعبية مع إيزابيل الليندي في نيويورك بعد نشر كتابها (الممزق) بقليل . تحدثت إيزابيل الليندي في هذه المقابلة الموسعة عن مسيرتها الأدبية وذكرياتها في تشيلي قبل وأثناء الانقلاب .

إيمي غودمان : سنقضي هذا اليوم ساعة مع إيزابيل الليندي , واحدة من أعظم الروائيات اللاتينيات/الأمريكيات . التي ألفت ما يقارب العشرين كتابا من بينها (بيت الأرواح) و (باولا) و(ابنة الحظ) وروايتها المثيرة الأخيرة التي تدور أحداثها في منطقة خليج سان فرانسيسكو , والتي عنونتها بـ(الممزق). ترجمت كتبها إلى 35 لغة , وبيع منها ما يربو على 57 مليون نسخة حول العالم .
        تعيش إيزابيل الليندي الآن في كاليفورنيا ,على الرغم من انها قد ولدت في بيرو عام 1942م وسافرت حول العالم كابنة لدبلوماسي تشيلي. والدها هو ابن العم الأول لسلفادور الليندي الرئيس التشيلي منذ عام 1970 وحتى الحادي عشر من سبتمبر لعام 1973م حين استولى أوغستو بينوشيه على السلطة في تشيلي بانقلاب عسكري مدعوم من المخابرات الأمريكية . توفي سلفادور الليندي في القصر الرئاسي في ذلك اليوم . هربت إيزابيل الليندي لاحقا من بلدها تشيلي وعاشت في المنفى في فنزويلا .
        قلدها الرئيس أوباما يوم الإثنين الماضي وسام الحرية الرئاسي .
الرئيس أوباما : حينما علمت إيزابيل الليندي أن جدها كان يحتضر في تشيلي بدأت تكتب له رسالة . تعود إليها ليلة بعد ليلة . حتى أدركت أنها كتبت بالفعل روايتها الأولى . في الحقيقة لم تتوقف أبدا . تتحدث رواياتها ومذكراتها عن الأسر والسحر والرومانسية والاضطهاد والعنف والخلاص وكل الأشياء العظيمة , ولكن على يديها يصبح العظيم متناولا ومألوفا وإنسانيا . نفيت من تشيلي بواسطة الطغمة العسكرية , فاختارت الولايات المتحدة وطنا لها . واليوم أنشأت مؤسسة على شرف ابنتها باولا لمساعدة الأسر في أرجاء العالم . تبدأ كل كتبها في الثامن من يناير , اليوم الذي بدأت به الرسالة لجدها قبل سنوات عديدة مضت . " أكتب لأدون التاريخ" تقول , " أكتب ما لا يجب أن ينسى " .
إيمي غودمان : كان هذا الرئيس أوباما يتحدث في مراسم تقليد وسام الحرية الرئاسي يوم الاثنين الماضي في البيت الأبيض .
        أجريت معك مقابلة شعبية في إبريل هنا في نيويورك بعد نشر كتابك الأخير(الممزق) بقليل . سنبدأ باليوم الذي تبدأين به جميع كتبك .
        إيزابيل , لماذا تبدئين كتبك في الثامن من يناير ؟
إيزابيل الليندي :  الانضباط . حسنا , بدأت لأن كتابي الأول ,كنت ما أزال أعيش في فنزويلا , وكان جدي يحتضر في تشيلي . وبدأت رسالة له في الثامن من يناير , عام1981م والتي أصبحت (بيت الأرواح) . ومن الحظ أنني بدأت كتابي الثاني والثالث بنفس هذا التاريخ . لكن بعد أن تعقدت حياتي فعلا بالعديد من الأشياء التي تعينني في الكتابة , ولكن الكتابة هي من أتى بها لحياتي . لذلك من الانضباط أن أخصص لي عدة أشهر من السنة حيث لا أرى فيها أحدا ولا أسافر ولا أعمل أي شيء سوى الكتابة . وحين نظرت في التقويم , احتجت أن أبدأ في يوم معين لأبدأ فيه . تعرفين أن الكتابة تتطلب الكثير من الالتزام . من المحتمل أنك تعرفين هذا. الكثير من الالتزام مثل الوقوع في الحب حيث تكون مغمورا بها بالكامل. دون أية أمور أخرى . أن تكرس كل جهدك ووقتك لها . لذلك , كان من المخيف نوعا ما لو لم يكن لدي يوم أبدأ فيه , سأماطل وأسوف إلى الأبد .
إيمي غودمان : قلت أننا سنبدأ الحديث عن (الممزق) ,لكننا سنتخذك كنموذج, الشخص الذي يعمل في فضاء حر وليس مجبرا أبدا على ما تزعمين فعله . لذلك دعينا نتوقف عند الثامن من يناير , حيث بدأت (بيت الأرواح) . حدثينا عن كتابة ذلك الكتاب الأول . أعني الشخص الذي لم يقرأ عملك من قبل , لن يكن لديه....
إيزابيل الليندي : لم يكن لدي عمل .
إيمي غودمان : لهذا , كيف انتهى بك المطاف خارج بلدك تشيلي ؟
إيزابيل الليندي : حدث الانقلاب العسكري في تشيلي في عام 1973م ,فتغيرت حياة التشيليين , بعضهم إلى الأحسن والكثير منهم إلى الأسوأ . وغادر الكثير من التشيليين البلد , وكنت أعتقد على الدوام أننا سنعود عما قليل , وستكون حالة مؤقتة.ولذلك بحثت عن بلد حيث يمكنني أن أتحدث لغتي , لأنني كنت صحافية واعتقدت أنه لا يمكنني أن أعمل كصحافية سوى في إسبانيا , والدولة التي تحظى بالديموقراطية حيث يمكنني العمل . وتلك الدولة كانت البلد الوحيد في أمريكا اللاتينية التي عرضت علي ذلك هي فنزويلا . كانت فنزويلا بلدا غنيا وكريما ومفتوح الأبواب لكل شخص يريد أن يعمل , وكذلك يتحدث الإسبانية,فاعتقدت أنني سأعمل كصحافية , الأمر الذي لم يحدث في الواقع . لكن بهذا الشكل انتهى بي المطاف في فنزويلا . وآل بي المآل أن أعمل كل أنواع المهن الغريبة ولم يخطر لي ببال أنني سأبدأ الكتابة .
إيمي غودمان : هكذا , كيف تم ذلك إذن ؟ كان معك عائلتك هناك .
إيزابيل الليندي : كان برفقتي زوجي السابق وطفلان . لكن زوجي حصل على وظيفة في وسط الأدغال , وكنت أراه كل شهرين _أقل من ذلك أو أكثر _ لذلك كنت أشعر بوحدة شديدة في حياتي . لا تقودني إلى أي مكان وأشعر أن كل شيء خافت بالنسبة لي . كنت في حوالي التاسعة والثلاثين ولم أنجز أي شيء في حياتي . شعرت أن حياتي فائضة عن الحاجة فعلا , حتى حدثت المعجزة , وبدأت كتابة ذلك الكتاب .
إيمي غودمان : لهذا كنت تكتبين كل ليلة بعد العشاء ؟  
إيزابيل الليندي : أجل , كنت أعمل لاثني عشرة ساعة في اليوم في المدرسة , لفترتين . لذلك كنت أغادر المنزل لأكون في المدرسة في السابعة صباحا وأعود بعد ذلك إلى البيت بعد السابعة مساء . هكذا , بعد أن أتناول العشاء أذهب إلى المطبخ وأكتب على آلة كاتبة محمولة .لم يكن هناك كمبيوترات بعد . حين اعتقدت أنني كتب مخطوطة ذات 560 صفحة على الآلة الكاتبة , كانت نسخة واحدة فقط , نسخة أولى . إذا كان يهمك , مثلا , ذات لحظة احتجت أن أغير اسم , لأن أمي قالت لي " لماذا منحتي النذل اسم والدك ؟ " لذلك قلت : " ما بالك مهتمة يا أمي أنتما قد انفصلتما منذ وقت طويل " . لكنها لم تقبل ذلك . لذلك كان علي أن أغيره.وجدت اسما آخر الذي كان في الواقع له نفس عدد الأحرف , وعدلت كل صفحة على الآلة . هذا ما عملته بعد ذلك . كان أمرا لا يصدق .
إيمي غودمان : هكذا أنهيت مخطوطتك . لديك المئات من الصفحات .ماذا فعلت بها ؟
إيزابيل الليندي :  عرضتها على أمي فقالت :" اعتقد أنها رواية , ليست جيدة جدا لكنها رواية ". لذلك أرسلتها إلى أصدقاء عدة , والذين كانوا ناشرين في الأرجنتين وناشرا في فنزويلا . لم يرد أحد . ولم تصلنا أية رسالة رفض لأن لا أحد قد قرأها. فلم يرد أحد . وبعد ذلك , في أحد الأيام , هاتفتني إحدى النساء العاملات باستقبال أحد دور النشر وقالت لي :" لا أحد سيقرأ هذه المخطوطة , إنها حقيرة . مخطوطة طويلة لامرأة غير معروفة . من سيقرأ هذا الشيء ؟ إنك تحتاجين إلى وكيل ". لم أكن أعرف أنه يوجد وكلاء للأدب , ظننت أنه في الرياضة فقط . فقالت لي :"كلا , هم موجودون , وإحداهن في إسبانيا وهي مشهورة جدا " . أعطتني اسمها ووجدت عنوانها لاحقا وبعثت بالمخطوطة إلى كارمين بالاسيز في برشلونة , فنشرت الكتاب .أخذته إلى دار النشر .
إيمي غودمان : لهذا كان ذلك الكتاب أول كتاب لك ينشر في إسبانيا بالإسبانية .
إيزابيل الليندي : ياه . نشرته لأن دار النشر كانت تريد كتابا لخوان مارسي , وقد كانت وكيلته . قالت :"حسنا , سأعطيكم الكتاب إذا قبلتم هذه المرأة الأخرى". لا أحد يريدني . فقالوا لها :" حسنا , لا بأس هاتها  " . وهذا ما حدث , يمكنني القول أنه في سبتمبر كان الكتاب في المطبعة , وفي بداية أكتوبر كان في معرض فرانكفورت. كل شخص وكل ناشر في أوربا أراد الكتاب . لذلك كان نجاحا مفاجئا لم يحدث من قبل . كانت معجزة حقا .
إيمي غودمان : وقد بيع منه ملايين وملايين النسخ منذ ذلك الحين عبر أرجاء العالم.
إيزابيل الليندي : أتساءل دائما , أين ملايين وملايين الدولارات؟ بناء على هذه الأرقام لقد بعت ستين مليون نسخة . لنقل أن الكتاب بدولار . ولا حتى عشرة قروش.
إيمي غودمان : وهذا ما منحك الثقة لتكتبي كتابك الثاني ؟
إيزابيل الليندي : ياه . حسنا , قالت لي كارمين حين تلقت المخطوطة :" هذا كتاب جيد جدا , لكن كل شخص يستطيع أن يكتب كتابا أولا جيدا  , لأنه سيكون قصة حياته . كل تجاربه وذكرياته المهمة بالنسبة له ستكون في كتابه الأول . يثبت الكاتب قدراته في الكتاب الثاني " . لذلك بدأت فورا بكتابة الكتاب الثاني لأثبت لها أنني يمكن أن أكون كاتبة .
إيمي غودمان : لهذا اخترت لذلك الكتاب أن يكون رواية , وكتبت رواية بعد رواية وكنت ما تزالين صحافية في تشيلي .
إيزابيل الليندي : لقد كنت صحافية رديئة , حقا كنت سيئة .
إيمي غودمان : لماذا اخترت الرواية ؟
إيزابيل الليندي : لأنها كانت أسهل بكثير من الصحافة .كونك صحافيا يجعلك تتعامل مع الحقائق . أنا ارتعب من الحقائق . أعني , جلست ابنة زوجي قبالتي وقالت أنه لا يمكنني قول الحقيقة , لأنني دائما أروي لها حكاية , والحكايات أفضل بكثير من الحقيقة . لماذا يجب أن نفسد الحكاية بالحقيقة ؟لهذا , لم أكن جيدة جدا كصحافية. لكن أمري لم يفتضح على الرغم من كل أكاذيبي . أشعر بارتياح أكبر في السرد.
إيمي غودمان : حين كنت في تشيلي طلب منك الشاعر العظيم بابلو نيرودا أن تجري مقابلة معه .
إيزابيل الليندي : امممم, طلب بابلو نيرودا مني أن أزوره في إيسلا نيجرا حيث يقيم . اعتقدت أن ذلك من أجل أن أجري معه مقابلة. ولكن بعد أن تناولنا الغداء_اعتقد أنني كنت... , أعني ,أن جائزة نوبل حرضتني على إجراء المقابلة, غسلت سيارتي وأخذت شريط تسجيل جديد , وبعد الغداء _ قلت له " أنا جاهزة سيد بابلو يمكننا أن نجري المقابلة" . " أية مقابلة ؟" قلت :" حسنا , لقد أتيت إلى هنا لأجري مقابلة معك ". فقال لي :" لن أجري معك مقابلة أبدا , أنت تكذبين طوال الوقت .لا يمكنك أن تكوني موضوعية أبدا . أنت أسوا صحافية في البلد .لما لا تتحولي إلى الأدب , حيث كل هذه العيوب تصبح مناقبا ؟ . لقد كان محقا , لكن أخذ مني ذلك وقتا طويلا . لأن هذا الحدث كان قبل أحد عشر يوما من وفاته . كان في أغسطس ..أوه لا قبل اثنين وعشرين يوما ,في أغسطس من عام 1973م . قبل انقلاب العسكري بقليل . وقد كتبت كتابي الأول في عام 1981م , لذلك كان وقتا طويلا بعد هذا الحدث .
إيمي غودمان : كيف كانت مراسم تشييع جنازته ؟ وكيف كانت ردة الفعل في البلد في تلك الظروف الساخنة جدا ؟ هل كانت جنازته قبل الانقلاب؟
إيزابيل الليندي : كلا , لقد توفي بعد الانقلاب بأحد عشر يوما . كانت أوقات ذعر للأشخاص اليساريين . أعني كل الشيوعيين كانوا مهددين ,لذلك إما تحولوا لشيء آخر أو حاولوا أن يغادروا البلد أو اختفوا أو اعتقلوا . كانت جنازة وطنية . لو كان قد توفي قبل الانقلاب لعملت الدولة ثلاثة أيام للحداد عليه . لكن ذلك اليوم ,كان يوما ماطرا . أتذكره جيدا ,لأنني كنت هناك . تجرأ القليل من الأشخاص وخرجوا واقتفوا جثمانه إلى المقبرة.
        كان السفير السويدي _رجل طويل جدا ويرتدي معطفا أسود طويلا_ من ضمن مشيعي الجنازة . واعتقدت أنه الوحيد ,لأن العسكر كانوا برشاشاتهم على جانبي الطريق , فاعتقدت أنهم حتى لو أطلقوا النار فلن يقتلوا هذا الرجل .إنه سفير.لذلك تشبثت بمعطفه ومشيت خلفه وأنا أدعو أن لا يحدث مكروه .
        بعد ذلك , وبمجرد أن تجاوزنا المبنى صاح أحد العمال . حينها اعتقدت أنه كان منفعلا جدا . هتف باسم بابلو نيرودا قائلا :"وانيروداه !" , وتنادى الجميع لصرخته  . صرخ بعدها قائلا :"الرفيق سلفادور الليندي!". وصاح الجميع :"واسلفادوراه!" . الشيء الذي فعلنا في تلك اللحظة كان يعني الموت . لذلك سرنا خلف هؤلاء الناس لا أعرف كم كان عددنا ,ربما مائة وخمسين أو مائتين ,لا أعرف . لقد كانت لحظة انفعالية جدا .
إيمي غودمان : سنعود إلى هذه المقابلة مع إيزابيل الليندي الروائية التشيلية/الأمريكية بعد لحظات .

(فاصل إعلاني )